ابراهيم اسماعيل الشهركاني
335
المفيد في شرح أصول الفقه
بعض أصنافه يمنع من التمسك بالإطلاق ، وإن تمت مقدمات الحكمة ، مثل : انصراف المسح في آيتي التيمم والوضوء إلى المسح باليد وبباطنها خاصة . والحق أن يقال : أن انصراف الذهن إن كان ناشئا من ظهور اللفظ في المقيد - بمعنى : أن نفس اللفظ ينصرف منه المقيد لكثرة استعماله فيه وشيوع إرادته منه - فلا شك : في إنه حينئذ لا مجال للتمسك بالإطلاق ، لأن هذا الظهور يجعل اللفظ بمنزلة المقيد بالتقييد اللفظي ، ومعه لا ينعقد للكلام ظهور في الإطلاق حتى يتمسك بأصالة الإطلاق التي هي مرجعها في الحقيقة إلى أصالة الظهور . وأما إذا كان الانصراف غير ناشئ من اللفظ ، بل كان من سبب خارجي ، كغلبة وجود الفرد المنصرف إليه أو تعارف الممارسة الخارجية له ، فيكون مألوفا قريبا إلى الذهن من دون أن يكون للفظ تأثير في هذا الانصراف ، كانصراف الذهن من لفظ الماء في العراق - مثلا - إلى ماء دجلة أو الفرات فالحق : إنه لا أثر لهذا الانصراف في ظهور اللفظ في إطلاقه ، فلا يمنع من التمسك بأصالة الإطلاق ، لأن هذا الانصراف قد يجتمع مع القطع بعدم إرادة المقيد بخصوصه من اللفظ . ولذا يسمى هذا الانصراف باسم ( الانصراف البدوي ) لزواله عند التأمل ومراجعة الذهن . وهذا كله واضح لا ريب فيه . وإنما الشأن في تشخيص الانصراف أنه من أي النحوين ، فقد يصعب التمييز أحيانا بينهما للاختلاط على الإنسان في منشأ هذا الانصراف . وما أسهل دعوى الانصراف على لسان غير المتثبت ، وقد لا يسهل إقامة الدليل على أنه من أي نوع . فعلى الفقيه أن يتثبت في مواضع دعوى الانصراف ، وهو يحتاج إلى ذوق عال وسليقة مستقيمة . وقلما تخلو آية كريمة أو حديث شريف في مسألة فقهية عن انصرافات تدعى . وهنا تظهر قيمة التضلع باللغة وفقهها وآدابها . وهو باب يكثر الابتلاء به وله الأثر الكبير في استنباط الأحكام من أدلتها . ألا ترى : أن المسح في الآيتين ينصرف إلى المسح باليد ، وكون هذا الانصراف مستندا إلى اللفظ لا شك فيه ، وينصرف أيضا إلى المسح بخصوص باطن اليد . ولكن قد يشك في كون هذا الانصراف مستندا إلى اللفظ ، فإنه غير بعيد أنه ناشئ من تعارف المسح بباطن اليد لسهولته ، ولأنه مقتضى طبع الإنسان في مسحه ، وليس